شعر حزين عن الموت


شعر حزين عن الموت


الموت


الموت مجيئه مفاجئ، فيخطف منا بعض أغلى من نملك، وتتغير حياتنا لفقد من نحب ونفقد، وتصبح أيامنا حزناً وألماً. فتبدو المناظر باهتة بلا ألوان والطعام بلا طعم ولا مذاق وكأن الساعدة قد فارقت الوجود وغابت ولن تعود! نكاد لانصدق أن من نحبهم قد فارقونا ومن نريدهم قد ذهبوا بلا عودة. والعرب منذ القدم قد عهدوا على ذكر مآسيهم وعرضها في شعرهم وللشعر في تخليد ذكرى الأحبة ورثاهم بعض السلوان، وهذه بعض القصائد عن الموت.

علي بن أبي طالب: لا دار للمرء بعد الموت

النّفس تبكي على الدّنيا وقد علمت
أن السّعادة فيها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إلّا التي كان قبل الموت بانيها

فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه
وإن بناها بشرٍّ خاب بانيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها
ودورنا لخراب الدّهر نبنيها

أين الملوك التي كانت مسلطنةً
حتّى سقاها بكأس الموت ساقيها

فكم مدائن في الآفاق قد بُنيت
أمست خراباً وأفنى الموت أهليها

لا تركننّ إلى الدّنيا وما فيها
فالموت لا شكّ يفنينا ويفنيها

لكلّ نفس وإن كانت على وجل
من المنيّة آمال تقوّيها

المرء يبسطها والدّهر يقبضها
والنّفس تنشرها والموت يطويها

إنّما المكارم أخلاق مُطهّرة
الدّين أولّها والعقل ثانيها

والعلم ثالثها والحلم رابعها
والجود خامسها والفضل سادسها

والبرّ سابعها والشّكر ثامنها
والصّبر تاسعها والّلين باقيها

والنّفس تعلم أنّي لا أصادقها
ولست أرشد إلا حين أعصيها

واعمل لدار غداً رضوان خازنها
والجار أحمد والرّحمن ناشيها

قصورها ذهب والمسك طينتها
والزّعفران حشيش نابت فيها

أنهارها لبنٌ محمّضٌ ومن عسل
والخمر يجري رحيقاً في مجاريها

والطّير تجري على الأغصان عاكفةً
تسبّحُ الله جهراً في مغانيها

من يشتري الدّار في الفردوس يعمرها
بركعةِ في ظلام الّليل يحييها

نمر السحيمي: جاني وأنا في وسط ربعي

جاني وأنا في وسط ربعي وناسي
جاني نشلني مثل ما ينشل النّـــاس

منّي نشل روح تشيل المآســـــــي
تشكي من أيام الشّقى تشكي اليـأس

أثر الألم في سكرة المـــوت قاسي
ما هالني مثله وأنا إنسان حـــسّاس

جابوا كفن أبيض مقاسه مقاســــي
ولفوا به الجسم المحنّط مع الـرأس

وشالوني أربع بالنعش ومتواســي
عليه ومغطّى على جسمي لبـــاس

وصلّوا عليّ وكلــــــهم في مــآسي
ربعي ومعهم ناس من كل الأجناس

يا كيف سوا عقبنا تاج رأســــــــي
وأمي الحبيبة وش سوّى بها اليأس

اسمع صدى صوت يهز الرّواسي
قولولها لا تلطـــم الخــدّ يا ناس

قولولها حق وتجرّعت كأســـــــي
لا تحترق كلّ يبي يجرع الكـــــأس

أصبحت في قبري ولا به مواسي
وأسمع قريع نعولهم يوم تـــــنداس

من يوم قــــــفوا حلّ موثق لباسي
وعلى رد الرّوح صوت بالأجراس

هـيكل غريب وقال ليه التّــــــناسي
صوته رهيب وخلفه اثنين حـــرّاس

وقف وقال إن كنــت يا نـمر نـاسي
هاذي هي أعمالك تقدم بكـــــرّاس

ومن هول ما شفته وقف شعر رأسـي
وانهارت أعصابي ولا أردّ الأنـفاس

شعر في وصف الموت

إنّ الطـبـيـــــب بطبــّه و دوائه
لا يستطيع دفاع نحب قد أتى

ما للطّبيب يموت بالدّاء الـــــذي
قد أبرأ مثــــــــــــله فيما مضى

مات المداوي و المداوى والدي
جلب الدواء أو باعه أو اشترى

أسلمني الأهل بطن الـــــثرى
وانصرفوا عنّي فيا وحشتا

وغادروني معدوماً بائســــاً
مـــا بيدي اليـــــوم إلا البُكا

وكل ما كان كأن لم يكـــــــن
وكل ما حذّرته قــــــــد أتى

وذا كم الجموع والمقتنى
قد صار في كفّي مثل الــهبا

ولما جد لي مؤنسا ها هــنا
غير مجور موبق أو فاســـق

فلو تراني و ترى حالتــــــي
بكيت لي يا صاح ممّـــا ترى

شعر عن مصير الإنسان


عجبت للإنسان في فخره
وهــــو غداً في قبره يُقبر

ما بال مـــن أوّلـه نـطفـة
وجيفــــة آخـــره يفــجــر

أصبح لا يملك تقديم مـــا
يرجو ولا تأخير مـا يحدر

وأصبح الأمر إلى غيره
فيكلّ ما يقضى و ما يقدر

أبو العلاء المَعرّي: الموت ربع فناء

الموتُ رَبْعُ فَناءٍ، لم يَضَعْ قَدَماً
فيهِ امرؤٌ، فثَناها نحوَ ما ترَكا

والملكُ للَّهِ، من يَظفَرْ بنَيلِ غِنًى
يَرْدُدهُ قَسراً، وتضمنْ نفسه الدّركا

لو كانَ لي أو لغَيري قدْرُ أُنْمُلَةٍ
فوقَ الترابِ، لكانَ الأمرُ مُشترَكا

ولو صفا العَقلُ، ألقى الثّقلَ حامِلُه
عَنهُ، ولم تَرَ في الهَيجاءِ مُعتَرِكا

إنّ الأديمَ، الذي ألقاهُ صاحبُهُ
يُرْضي القَبيلَةَ في تَقسيمِهِ شُرَكا

دعِ القَطاةَ، فإنْ تُقدَرْ لِفيكَ تَبِتْ
إلَيهِ تَسري، ولم تَنصِبْ لها شرَكا

وللمَنايا سعَى الساعونَ، مُذْ خُلِقوا
فلا تُبالي أنَصَّ الرّكْبُ أم أركا

والحَتْفُ أيسرُ، والأرواحُ ناظرَةٌ
طَلاقَها من حَليلٍ، طالما فُرِكا

والشّخْصُ مثلُ نجيبٍ رامَ عنبرَةً
من المَنونِ، فلمّا سافَها بَرَكا

أبوالعلاء المعري: إن يقرب الموتُ مني

إن يقرب الموتُ مني
فلستُ أكرهُ قُرْبَهْ

وذاكَ أمنعُ حِصْنٍ
يصبِّرُ القبرَ دَرْبَهُ

منْ يَلقَهُ لا يراقبْ
خطباً، ولا يخشَ كُرْبَهُ

كأنني ربُّ إبلٍ
أضحى يمارسُ جُرْبه

أو ناشطٌ يتبغّى
في مُقفِر الأرض، عِربْه

وإنْ رُددتُ لأصلي
دُفنتُ في شرّ تُربه

والوقتُ مامرّ، إلا
وحلّ في العمر أُربه

كلٌّ يحاذرُ حتفاً
وليس يعدمُ شُربه

ويتّقي الصارِمَ العضـ
ـبَ، أن يباشر غَربه

والنزعُ، فوق فراشٍ
أشقُّ من ألف ضربه

واللُّبٌّ حارَبَ، فينا
طبْعاً يكابدُ حَرْبه

يا ساكنَ اللحدِ! عرّفـ
ـنيَ الحِمامَ وإربه

ولا تضنَّ، فإنّي
مَا لي، بذلك، دربه

يَكُرُّ في الناس كالأجـ
ـدَلِ، المعاود سِربه

أوْ كالمُعيرِ، من العا
سلات، يطرُقُ زربْه

لا ذات سِرْب يُعّري الرّ
دى، ولا ذات سُربه

وما أظُنُّ المنايا
تخطو كواكبَ جَرْبه

ستأخُذُ النّسرَ، والغَفْـ
ـرَ، والسِّماكَ، وتِربْه

فتّشنَ عن كلّ نفسٍ
شرْقَ الفضاء وغَربه

وزُرْنَ، عن غير بِرٍّ
عُجْمَ الأنام، وعُربه

ما ومضةُ من عقيقٍ
إلا تهيجُ طرْبه

هوىً تعبّدَ حُرّاً
فما يُحاولُ هرْبه

من رامني لمْ يجدْني
إنّ المنازلَ غُربَه

كانتْ مفارقُ جُونٌ
كأنها ريشُ غِرْبه

ثمّ انجلتْ، فعَجبنا
للقارِ بدّل صِرْبه

إذا خَمِصْتُ قليلاً
عددْتُ ذلك قُربه

وليسَ عندِيَ، من آلة
السُّرى، غيرُ قِرْبه

أبو العلاء المعري: تباركت

تباركتَ! إنّ الموتَ فرْضٌ على الفتى
ولوْ أنّهُ بَعضُ النّجومِ التي تسري

ورُبّ امرىءٍ ، كالنّسرِ في العزّ والعلا
هَوى بسِنانٍ، مثلِ قادمةِ النّسرِ

وهوّنَ ما نَلقَى، من البؤسِ، أنّنا
بنو سفَرٍ، أوْ عابرونَ على جِسرِ

وما يترُكُ الإنسانُ دُنياهُ، راضياً
بعِزٍّ، ولكنْ مُستَضاماً على قَسر

وما تَمنَعُ الآدابُ والمُلْكُ سَيّداً
كقابوسَ، في أيّامِهِ وفناخُسر

متى ألقَ، مِنْ بَعدِ المَنيّةِ، أُسْرَتي
أُخَبّرْهُمُ أني خَلَصتُ من الأسر

سَما نَفَرٌ، ضرْبَ المِئِينَ، ولم أزَلْ
بحمدِك مثلَ الكسرِ يُضربُ فيالكسر